المنجي بوسنينة
43
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الطرف كان يمثل بالنسبة إلى خطاب الأشعري خاصة والسني عامة المنافس الأخطر لعدة اعتبارات لعلّ أهمها هو أنه قادر على بناء منظومة معرفية وكلامية وأخلاقية وسياسية مغايرة . ضمن هذا السياق المعقد والدقيق يمكن أن ننظر إلى الأشعري على أنه مؤسس علم الكلام بمعناه الذي حدده ابن خلدون أي أنه العلم الذي يتضمن « الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعين » . إن نظرنا إلى الرجل من هذه الزاوية تضاءلت أمامنا مرة أخرى مسألة انخلاعه من المذهب الاعتزالي بعد أن أقام عليه أربعين سنة ، وبرزت أهميته من جهة كونه عاملا حاسما للانتقال بالدين من مرحلة الإيمان الأوليّ التأسيسي إلى الإيمان العقلي المؤسّس الذي يعبّر عن بلوغ الفكر العربي مرحلة جديدة من مراحل التطور . بهذا تصبح أهمية الأشعري متمثلة في إدراكه ضرورة الانتقال في تعقل الدين بما يتناسب واللحظة التاريخية الخاصة . من ثم يكون الأشعري هو الإمام الذي جعل من علم الكلام في مجمله حركة ينهض فيها الفكر العربي من موقع التديّن للدفاع بأساليب العقل عن إيمانه . جاءت اهتمامات الأشعري العقدية والفكرية مؤكدة على مسائل إثبات وجود الله عن طريق حدوث العالم وخاصة عبر تغير الإنسان وتطوره كما عالجت قضية أسماء الله وصفاته ( العلم ، الإرادة ، القدرة ، الكلام ) ، فاعتبر أن هذه الصفات ليست ذاته كما يقول أهل الاعتزال بل هي لا عين الله ولا غيره ، أما في خصوص موضوع كلام الله فقد اعتمد الأشعري رأي الحنابلة القائل بأن كلامه سبحانه غير مخلوق . من جهة أخرى رفض الأشعري التأويل لذلك فسر الآيات المتشابهة المتعلقة بيد الله وبجلوسه على العرش وما شابهها على الحقيقة دون تحديد كيفية ، وقال بأن رؤية الله يوم القيامة تكون بتمكين الأصفياء ما يتيح لهم رؤيته تعالى . في خصوص القدر اعتبر الأشعري أن الله خالق كل شيء وأن الإنسان يفعل فعله عن طريق استطاعة وقدرة محدثة لا تكون عنده قبل القيام بالأمر أو بعده إنما هي تمكين من الله فقط ، فالله هو الخالق الفعلي لأفعال العباد . بناء على هذا فقد ناقش الأشعري مسألة الشر فاعتبر أن الله لا يأمر به ، وأن العقاب والثواب يتعلقان بأفعال العباد رغم أن الله هو الفاعل النهائي . حدد مفهوم الإيمان والفسق والتكليف كما تناول مسألة الحسن والقبح مرسيا بذلك قواعد متميزة للاعتقاد معتبرا أن هذا السعي له أصول في القرآن والسنة . إذ كان الأشعري قد تناول المسائل السابقة وما ارتبط ، بها فإنه كان يعبّر عن المعضلة الكبرى لعلم الكلام ألا وهي كيف يتأتّى الكلام عن الله تعالى بلغة بشرية ؟ للإجابة عن هذا التساؤل الأساسي اختار الأشعري موقفا وسطا جعل من خلاله طروحاته الكلامية متميزة من جهة عن التسليم الساذج الذي يعيد ما ورد في القرآن والسنة دون أي بناء أو حجج عقلية بشرية ، وبين التجريد الفلسفي الصارم الذي لا يكاد يقيم وزنا للنص التأسيسي وضوابطه وحدوده . بهذا المنهج أمكن للأشعري أن يؤصل